العلامة المجلسي
100
بحار الأنوار
لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد " وقوله : " اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون " فان ذلك في مواطن غير واحد من مواطن ذلك اليوم الذي كان مقداره خمسين ألف سنة . والمراد يكفر أهل المعاصي بعضهم ببعض ، ويلعن بعضهم بعضا ، والكفر في هذه الآية البراءة ، يقول : يتبرأ بعضهم من بعض ، ونظيرها في سورة إبراهيم عليه السلام قول الشيطان : " إني كفرت بما أشركتمون من قبل " ( 1 ) وقول إبراهيم خليل الرحمن : " كفرنا بكم " ( 2 ) يعني تبرأنا منكم . ثم يجتمعون في موطن آخر يبكون فيها فلو أن تلك الأصوات بدت لأهل الدنيا لزالت جميع الخلق عن معايشهم وانصدعت قلوبهم إلا ما شاء الله ، ولا يزالون يبكون حتى يستنفدوا الدموع ويفضوا إلى الدماء . ثم يجتمعون في موطن آخر فيستنطقون فيه فيقولون : " والله ربنا ما كنا مشركين " وهؤلاء خاصة هم المقرون في دار الدنيا بالتوحيد ، فلم ينفعهم إيمانهم بالله مع مخالفتهم رسله ، وشكهم فيما أتوا به عن ربهم ، ونقضهم عهودهم في أوصيائهم واستبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خير ، فكذبهم الله بما انتحلوه من الايمان بقوله : " انظر كيف كذبوا على أنفسهم " ( 3 ) فيختم الله على أفواههم وتستنطق الأيدي والأرجل والجلود ، فيشهد بكل معصية كانت منهم ، ثم يرفع عن ألسنتهم الختم فيقولون لجلودهم : " لم شهدتم علينا ؟ قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ " ( 4 ) . ثم يجتمعون في موطن آخر فيفر بعضهم من بعض لهول ما يشاهدونه من صعوبة الامر ، وعظم البلاء ، فذلك قول الله عز وجل : " يوم يفر المرء من أخيه [ وأمه وأبيه وصاحبته وبينه ] " ( 5 ) الآية
--> ( 1 ) إبراهيم : 22 . ( 2 ) الممتحنة : 4 . ( 3 ) الانعام : 24 . ( 4 ) فصلت : 21 . ( 5 ) عبس : 36 - 38 .